العلامة المجلسي
288
بحار الأنوار
ومصيب في أحكامه عليها إنما سبب إصابته مولده وما يقتضيه كواكبه من غير علم ولا فهم ، فلا يجب أن يستدل بالإصابة على العلم إذا كانت تقع من جاهل ويكون سببها المولد ، وإذا كانت الإصابة بالمواليد فالنظر في علم النجوم عبث ولعب لا يحتاج إليه ، لان المولد إن اقتضى الإصابة أو الخطاء فالتعلم لا ينفع وتركه لا يضر ، وهذه علة تسري إلى كل صنعة ، حتى يلزم أن يكون كل شاعر مفلق وصانع حاذق ، وناسج للديباج مونق لا علم له بتلك الصناعة ، وإنما اتفقت الصنعة بغير علم لما تقتضيه كواكب مولده ، وما يلزم على هذا من الجهالات لا يحصى . واعلم أن التعب بعلم مراكز الكواكب وأبعادها وأشكالها وتسيراتها متى لم يكن ثمرته العلم بالاحكام والاطلاع على الحوادث قبل كونها لا معنى له ولا غرض فيه ، لأنه لا فائدة في أن يعلم ذلك كله ويختص نفس العلم به ، وما يجري الاطلاع على ذلك إذا لم تتعد المعرفة إلى العلم بالاحكام إلا مجرى العلم بعدد الحصى وكيل النوى ومعرفة أطوال الجبال وأوزانها ، وكما أن العناء في تعرف ذلك عبث وسفه لا يجدي نفعا فكذلك العلم بشكل الفلك وتسيرات كواكبها وأبعادها والمعرفة بزمان قطع كل كوكب للفلك وتفاصيلها فيه ، وما شقي القوم بهذا الشأن وأفنوا أعمارهم إلا لتقديرهم أنه يفضي إلى معرفة الاحكام ، فلا تغتر بقول من يقول منهم : إننا ننظر في ذلك لشرف نفوسنا بعلم الهيئة ، ولطيف ما فيها من الأعاجيب فإن ذلك تجمل منهم وتقرب إلى أهل الاسلام ، ولولا أن غرضهم معرفة الاحكام لما تعنوا بشئ من ذلك كله ، ولا كانت فيه فائدة ، ولا منه عائدة . ومن أدل الدليل على بطلان أحكام النجوم أنا قد علمنا أن من جملة معجزات الأنبياء عليهم السلام الاخبار عن الغيوب ، وعد ذلك خارقا للعادات كإحياء الميت وإبراء الأكمه والأبرص ولو كان العلم بما يحدث طريقا نجوميا لم يكن ما ذكرناه معجزا ولا خارقا للعادات ( 1 ) فكيف يشتبه على مسلم بطلان أحكام النجوم وقد أجمع المسلمون قديما
--> ( 1 ) الفرق بين ما يخبر به النبي اعجازا وبين ما يخبر به الكاهن أو المنجم أو من يجرى مجراهما ان اخبار النبي ليس بسبب عادى يمكن تعاطيه لغيره ، بل بسبب غيبي ووحى الهى ، واما اخبار الكهنة وأمثالهم فإنما هو عن طريق عادى يمكن سلوكه لغيرهم أيضا .